الرئيسية النسخة الكاملة
موسى المقطري
خواطر عائد للحياه
الخميس 3 يناير 2019 20:31

خواطر عائد للحياة

موسى المقطري

كاد يرحل الأسبوع الذي ظننته ذات نزلة وجع الأخير في حياتي نتيجة جرعة سم مجهولة المصدر غزت أحشائي المنهكة ، ولأن الحر يموت قائماً مقاوماً فقد حزَّ في نفسي أن أرحل مستلقياً على فراشٍ وثير ، لكن الله كان ألطفُ وأقرب .

أما الفاعلين فلم أجد سبباً مقنعاً لهذا المستوى من الإجرام الآتي من أعماق أرواحهم الشريرة .
تسألت كثيراً عما فعلته ليجرمون ..
- ياترى هل أزعجهم مروري في شارع جمال مع كل اشراقة شمس؟!
كان بإمكاني أن أغير طريقي ايتها الكائنات الشريرة ، وسأصل من أي الطرق عبرت ، ولامناص من الوصول ..

- ربما لم يرق لهم أني أتبادل التحية مع العصافير كل صباح فتحكي لي خفايا أفعالهم في عتمة الليل .

- ربما حروفي كانت لاذعة ، كان بأمكاني أن أجعلها لاذعة أكثر إيتها الكائنات الشريرة لكني لم افعل رفقاً بكم ، ويبدو أنها لاحقاً ستكون كذلك ..

ربما وربما ، الأهم في الأمر أن الله كان ألطف بي من بعض عباده ، و "عباده" هنا ما مجازاً لا حقيقة ، والأجمل أن حروفي هاهي تعود إليكم أعزائي القراء عجلى زاهية .
 
في خضم الألم الفضيع لاتدري أهو إعلان الفراق بلا عودة ، أم لحظة إبتلاء عابرة تذكرك بضعفك البشري ، وتدرك كم هم محظوظون أولائك الذين يحومون من حولك حاملين قناني الدواء لك ، لكنهم بكامل صحتهم .

لحظات انتظار المجهول طويلة ، والتشبث بالحياة فطرة لامناص منها ، لكن في خضم هذا التجاذب يبقى الألم الذي يهوي بسكاكينه على باطنك هو العدو الأول ، ولو أنّي خيّرتُ وقتها بين الرحيل الهادئ ، والبقاء لحظات في ظل هذا الألم لاخترت الأولى راضياً مختاراً .

يومين فقط كنتُ فيها عالقاً بين براثن الألم الفضيع أدركتُ خلالها أن أعواما قضيتها في نعيم الصحة لا تساوي شيئا أمام ما عانيت ، وكانت "أم إبراهيم" قائمة بواجب الوقت ، والطبيب والممرضة يكافحون ليهدأ الألم وأتجاوز الخطر ، فيما كنت أنا في عالم أخر لا أتذكر من الأشخاص إلا بعض ملامحها، ومن الأماكن إلا بعض زواياها ، أفيق على وخزات الألم ، وأغيبُ على سكونه .

لي من زينة الدنيا ثمانية مروا بعجل أمام ناظري في أشدّ لحظات الابتلاء ، وأم تراني أخر ما حصَلَتْ عليه في هذه الدنيا لم أخبرها حتى اليوم أني كدت أن اجعلها مكلومة ، وجلّ ما أخبرتها أنها وعكة مرّت كسابقاتها، وخليلتان سألت الله أن لا أحزنهما برحيلي ، وكل هؤلاء لم يمتلكون شيئا بالتأكيد إلا الدعاء والتضرع ... وقد كان فأثمر .

دمتم سالمين في صحة وعافية ..